فصل: فَصْلٌ: صِفَةُ عَقْدِ الشَّرِكَةِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: صِفَةُ عَقْدِ الشَّرِكَةِ:

وَأَمَّا صِفَةُ عَقْدِ الشَّرِكَةِ.
فَهِيَ أَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ حَتَّى يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْفَسْخِ، إلَّا أَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْفَسْخِ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ، أَيْ بِعِلْمِهِ، حَتَّى لَوْ فُسِخَ بِمَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ جَازَ الْفَسْخُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ صَاحِبُهُ غَائِبًا، وَعَلِمَ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْفَسْخُ؛ لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ إضْرَارٌ بِصَاحِبِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ عَزْلُ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ مَعَ مَا أَنَّ الشَّرِكَةَ تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ، وَعِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ شَرْطُ جَوَازِ الْعَزْلِ، فَكَذَا فِي الْوَكَالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهُ الشَّرِكَةُ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: إذَا شَارَكَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ رَجُلًا شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، أَنَّهُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ شَرِيكِهِ لَمْ تَكُنْ مُفَاوَضَةً، وَإِنْ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْهُ صَحَّتْ الْمُفَاوَضَةُ؛ لِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ مَعَ غَيْرِهِ تَتَضَمَّنُ فَسْخَ الْعِنَانِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، وَيَمْلِكُ عِنْدَ حَضْرَتِهِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الشَّرِكَةِ عَيْنًا وَقْتَ الشَّرِكَةِ لِصِحَّةِ الْفَسْخِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ شَرْطٌ حَتَّى لَوْ كَانَ مَالُ الشَّرِكَةِ عُرُوضًا وَقْتَ الْفَسْخِ، لَا يَصِحُّ الْفَسْخُ، وَلَا تَنْفَسِخُ الشَّرِكَةُ وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي الشَّرِكَة وَفِي الْمُضَارَبَةِ رِوَايَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إذَا نَهَى الْمُضَارِبَ عَنْ التَّصَرُّفِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ وَقْتَ النَّهْيِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، صَحَّ النَّهْيُ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ إلَى الدَّنَانِيرَ وَالدَّنَانِيرَ إلَى الدَّرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الثَّمَنِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ بِهَا شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عُرُوضًا وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ وَقْتَ النَّهْيِ عُرُوضًا، فَلَا يَصِحُّ نَهْيُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهَا لِيَظْهَرَ الرِّبْحُ، فَكَانَ الْفَسْخُ إبْطَالًا لِحَقِّهِ فِي التَّصَرُّفِ فَجَعَلَ الطَّحَاوِيُّ الشَّرِكَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا فَرَّقَ بَيْنَ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَقَالَ يَجُوزُ فَسْخُ الشَّرِكَةِ وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُرُوضًا وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ مَالَ الشَّرِكَةِ فِي يَدِ الشَّرِيكَيْنِ جَمِيعًا، وَلَهُمَا جَمِيعًا وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فَيَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَهْيَ صَاحِبِهِ عَيْنًا كَانَ الْمَالُ أَوْ عُرُوضًا، فَأَمَّا مَالُ الْمُضَارَبَةِ فَفِي يَدِ الْمُضَارِبِ، وَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ لَهُ لَا لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَا يَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ نَهْيَهُ بَعْدَ مَا صَارَ الْمَالُ عُرُوضًا.

.فَصْلٌ: وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَبْطُلُ بِهِ عَقْدُ الشَّرِكَةِ:

فَمَا يَبْطُلُ بِهِ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا): يَعُمُّ الشَّرِكَاتِ كُلَّهَا (وَالثَّانِي): يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، أَمَّا الَّذِي يَعُمُّ الْكُلَّ فَأَنْوَاعٌ:
(مِنْهَا) الْفَسْخُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ، فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْفَسْخِ، فَإِذَا فَسَخَهُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِ الْفَسْخِ يَنْفَسِخُ،.
(وَمِنْهَا) مَوْتُ أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا مَاتَ انْفَسَخَتْ الشَّرِكَةُ لِبُطْلَانِ الْمِلْكِ وَأَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِالْمَوْتِ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ، وَمَوْتُ الْمُوَكِّلِ يَكُونُ عَزْلًا لِلْوَكِيلِ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ، فَلَا يَقِفُ عَلَى الْعِلْمِ.
(وَمِنْهَا) رِدَّةُ أَحَدِهِمَا مَعَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ،.
(وَمِنْهَا) جُنُونُهُ جُنُونًا مُطْبَقًا؛ لِأَنَّ بِهِ يَخْرُجُ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ، وَجَمِيعُ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ يَبْطُلُ بِهِ عَقْدُ الشَّرِكَة؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ عَلَى نَحْوِ مَا فَصَّلْنَا فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.
(وَأَمَّا) الَّذِي يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ فَأَنْوَاعٌ (مِنْهَا): هَلَاكُ الْمَالَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الشِّرَاءِ فِي الشَّرِكَةِ بِالْأَمْوَالِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ قَبْلَ الْخَلْطِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ يَتَعَيَّنَانِ فِي الشَّرِكَاتِ، فَإِذَا هَلَكَتْ فَقَدْ هَلَكَ مَا تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِعَيْنِهِ قَبْلَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ وَحُصُولِ الْمَعْقُودِ بِهِ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِدَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ هَلَكَتْ الدَّرَاهِمُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، وَيَتَعَيَّنَانِ فِي الشَّرِكَاتِ، ثُمَّ إنَّمَا لَمْ تَتَعَيَّنْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، وَتَتَعَيَّنُ فِي الشَّرِكَاتِ؛ لِأَنَّهُمَا جُعِلَا ثَمَنَيْنِ شَرْعًا، فَلَوْ تَعَيَّنَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ لَانْقَلَبَا مُثْمَنَيْنِ، إذْ الْمُثْمَنُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ، فَلَوْ تَعَيَّنَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ لَكَانَ عَيْنًا يُقَابِلُهَا عِوَضٌ، فَكَانَ مُثْمَنًا، فَلَا يَكُونُ ثَمَنًا، وَفِيهِ تَغْيِيرُ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَيْسَ فِي تَعْيِينِهَا فِي بَابِ الشَّرِكَةِ تَغْيِيرُ حُكْمِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُقَابِلُهَا عِنْدَ انْعِقَادِ الشَّرِكَةِ عَلَيْهِمَا عِوَضٌ، وَلِهَذَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ الْمُفْرَدَةِ عَنْ الشَّرِكَةِ، أَنَّهُمَا لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّعْيِينُ فِيهِمَا تَغْيِيرًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَهُوَ جَعْلُهُمَا مُثْمَنَيْنِ لِمَا لَا عِوَضَ لِلْحَالِ يُقَابِلهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ وُضِعَ وَسِيلَةً إلَى الشَّرِكَةِ، وَالْوَسِيلَةُ إلَى الشَّيْءِ حُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَجُعِلَ حُكْمُهُمَا فِي حَقِّ الْمَنْعِ مِنْ تَعَيُّنِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ حُكْمَ الشِّرَاءِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنَا بِالْعَقْدِ وَالْإِشَارَةِ، بَلْ يَتَعَيَّنَانِ بِالْقَبْضِ كَمَا فِي الشِّرَاءِ، بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ وَقَعَتْ وَسِيلَةً إلَى الشِّرَاءِ لَكِنْ لابد مَعَ هَذَا مِنْ سَبَبٍ يُوجِبُ تَعَيُّنَ رَأْسِ الْمَالِ لِمَا مَرَّ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْقَبْضِ مُعَيِّنًا لِرَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْقَبْضِ فِيهِمَا لِيَتَعَيَّنَ رَأْسُ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِمَا مَشْرُوطٌ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ، وَكَوْنُ الْعَمَلِ مَشْرُوطًا مِنْ رَبِّ الْمَالِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ فِي يَدِهِ لِيُمْكِنَهُ الْعَمَلَ، وَكَوْنُ عَمَلِ الْآخَرِ مَشْرُوطًا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ إلَيْهِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْعَمَلِ، فَلَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لِلتَّعَارُضِ، ولابد مِنْ سَبَبٍ يُوجِبُ تَعَيُّنَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْعَقْدُ، وَلَيْسَ وَرَاءَ الْقَبْضِ إلَّا الْعَقْدُ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُ الْقَبْضِ جُعِلَ الْعَقْدُ مُوجِبًا تَعَيُّنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً إلَى الشِّرَاءِ، لَكِنْ هَذِهِ الضَّرُورَةُ أَوْجَبَتْ اسْتِدْرَاكَهُ بِحُكْمٍ غَيْرِ حُكْمِ مَا جُعِلَ هُوَ وَسِيلَةً لَهُ.
(فَأَمَّا) فِي الْوَكَالَةِ الْمُفْرَدَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَعَمَلُ رَبِّ الْمَالِ لَيْسَ بِمَشْرُوطٍ، بَلْ لَوْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ؛ لَأَوْجَبَ فَسَادَهَا فَأَمْكَنَ جَعْلُ الْقَبْضِ سَبَبًا لِلتَّعْيِينِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ الْعَقْدِ سَبَبًا، فَلَمْ يُوجِبْ الْعَقْدُ التَّعْيِينَ إلْحَاقًا لَهُ بِالشِّرَاءِ، ثُمَّ إذَا هَلَكَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ قَبْلَ الشِّرَاءِ هَلَكَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْهَالِكَ مَالٌ مَلَكَهُ أَحَدُهُمَا بِيَقِينٍ، وَأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَيَهْلَكُ عَلَى صَاحِبِهِ خَاصَّةً، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَخُلِطَا، ثُمَّ هَلَكَ أَنَّهُ يَهْلَكُ مُشْتَرَكًا؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ أَنَّ الْهَالِكَ مَالُ أَحَدِهِمَا وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُوَفِّقُ.
(وَمِنْهَا) فَوَاتُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ رَأْسَيْ الْمَالِ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ بِالْمَالِ بَعْدَ وُجُودِهَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لِأَنَّ وُجُودَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمَالَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَمَا هُوَ شَرْطُ انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ، فَبَقَاؤُهَا شَرْطُ بَقَائِهَا مُنْعَقِدَةً؛ لِأَنَّهَا مُفَاوَضَةٌ فِي الْحَالَيْنِ، فلابد مِنْ مَعْنَاهَا فِي الْحَالَيْنِ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا تَفَاوَضَا، وَالْمَالُ مُسْتَوٍ، ثُمَّ وَرِثَ أَحَدُهُمَا مَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ مِنْ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، وَصَارَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ، أَنَّهُ تَبْطُلُ الْمُفَاوَضَةُ؛ لِبُطْلَانِ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الْعَقْدِ، وَإِنْ وَرِثَ عُرُوضًا لَا تَبْطُلُ، وَكَذَا لَوْ وَرِثَ دُيُونًا لَا تَبْطُلُ، مَا لَمْ يَقْبِضْ الدُّيُونَ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، لَا تَصْلُحُ رَأْسَ مَالِ الشَّرِكَةِ، وَكَذَا لَوْ ازْدَادَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ قَبْلَ الشِّرَاءِ، بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ، فَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الشِّرَاءِ بَطَلَتْ الْمُفَاوَضَةُ؛ لِمَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ يَقِفُ تَمَامُهُ عَلَى الشِّرَاءِ فَكَانَ الْمَوْجُودُ قَبْلَ الشِّرَاءِ كَالْمَوْجُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ، كَالْبَيْعِ لَمَّا كَانَ تَمَامُهُ بِالْقَبْضِ كَانَ هَلَاكُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَهَلَاكِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَالزِّيَادَةُ وَقْتَ الْعَقْدِ تَمْنَعُ مِنْ الِانْعِقَادِ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ يُبْطِلُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى بِأَحَدِ الْمَالَيْنِ، ثُمَّ ازْدَادَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَة لَا تَتِمُّ مَا لَمْ يَشْتَرِ بِالْمَالِ، فَصَارَ كَأَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ وَقْتَ الْعَقْدِ، فَإِنْ زَادَ الْمَالُ الْمُشْتَرَى فِي قِيمَتِهِ كَانَتْ الْمُفَاوَضَةُ بِحَالِهَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهَا؛ لِأَنَّهَا رِبْحٌ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَى فَلَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْقِيَاسُ إذَا اشْتَرَى بِأَحَدِ الْمَالَيْنِ قَبْلَ صَاحِبِهِ أَنَّهُ تُنْتَقَضُ الْمُفَاوَضَةُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ الَّتِي لَمْ يَشْتَرِ بِهَا بَقِيَتْ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا، وَقَدْ مَلَكَ صَاحِبُهَا نِصْفَ مَا اشْتَرَاهُ الْآخَرُ، فَصَارَ مَالُهُ أَكْثَرَ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَبْطُلَ الْمُفَاوَضَةُ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا، وَقَالُوا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَى وَجَبَ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ نِصْفُ الثَّمَنِ دَيْنًا، فَلَمْ يَفْضُلْ الْمَالُ، فَلَا تَبْطُلُ الْمُفَاوَضَةُ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

.كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ:

يُحْتَاجُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إلَى مَعْرِفَةِ جَوَازِ هَذَا الْعَقْدِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ رُكْنِهِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ صِفَةِ الْعَقْدِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ مَا يَبْطُلُ بِهِ، وَمَعْرِفَةِ حُكْمِهِ إذَا بَطَلَ، وَإِلَى بَيَانِ حُكْمِ اخْتِلَافِ رَبِّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِأَجْرٍ مَجْهُولٍ بَلْ بِأَجْرٍ مَعْدُومٍ، وَلِعَمَلٍ مَجْهُولٍ، لَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
(أَمَّا) الْكِتَابُ الْكَرِيمُ فَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} وَالْمُضَارِبُ يَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} وقَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}.
(وَأَمَّا) السُّنَّةُ، فَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ سَيِّدُنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إذَا دَفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً، اشْتَرَطَ عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ بَحْرًا وَلَا يَنْزِلَ بِهِ وَادِيًا، وَلَا يَشْتَرِيَ بِهِ دَابَّةً ذَاتَ كَبِدٍ رَطْبَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ فَبَلَغَ شَرْطُهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَازَ شَرْطَهُ» وَكَذَا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يَتَعَاقَدُونَ الْمُضَارَبَةَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ تَقْرِيرٌ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ وَالتَّقْرِيرُ أَحَدُ وُجُوهِ السُّنَّةِ.
(وَأَمَّا) الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ دَفَعُوا مَالَ الْيَتِيمِ، مُضَارَبَةً مِنْهُمْ سَيِّدُنَا عُمَرُ وَسَيِّدُنَا عُثْمَانُ وَسَيِّدُنَا عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ أَحَدٌ، وَمِثْلُهُ يَكُونُ إجْمَاعًا.
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ ابْنَيْ سَيِّدِنَا عُمَرَ قَدِمَا الْعِرَاقَ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَمِيرٌ بِهَا فَقَالَ لَهُمَا: لَوْ كَانَ عِنْدِي فَضْلٌ لَأَكْرَمَتْكُمَا، وَلَكِنْ عِنْدِي مَالٌ لِبَيْتِ الْمَالِ أَدْفَعُهُ إلَيْكُمَا، فَابْتَاعَا بِهِ مَتَاعًا وَاحْمِلَاهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَبِيعَاهُ، وَادْفَعَا ثَمَنَهُ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِينَةَ قَالَ لَهُمَا سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذَا مَالُ الْمُسْلِمِينَ فَاجْعَلَا رِبْحَهُ لَهُمْ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: لَيْسَ لَك ذَلِكَ، لَوْ هَلَكَ مِنَّا لَضَمِنَّا فَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اجْعَلْهُمَا كَالْمُضَارِبَيْنِ فِي الْمَالِ، لَهُمَا النِّصْفُ وَلِبَيْتِ الْمَالِ النِّصْفُ فَرَضِيَ بِهِ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَى هَذَا تَعَامَلَ النَّاسُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، فَتُرِكَ بِهِ الْقِيَاسُ، وَنَوْعٌ مِنْ الْقِيَاسِ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَى عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ لَكِنَّهُ لَا يَهْتَدِي إلَى التِّجَارَةِ، وَقَدْ يَهْتَدِي إلَى التِّجَارَةِ لَكِنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَكَانَ فِي شَرْعِ هَذَا الْعَقْدِ دَفْعُ الْحَاجَتَيْنِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مَا شَرَعَ الْعُقُودَ إلَّا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَفْعِ حَوَائِجِهِمْ.

.فَصْلٌ: رُكْنُ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ:

وَأَمَّا رُكْنُ الْعَقْدِ فَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ تَدُلُّ عَلَيْهِمَا فَالْإِيجَابُ هُوَ لَفْظُ الْمُضَارَبَةِ وَالْمُقَارَضَةِ وَالْمُعَامَلَةِ، وَمَا يُؤَدِّي مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، بِأَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ أَطْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ مِنْ رِبْحٍ، فَهُوَ بَيْنَنَا عَلَى كَذَا مِنْ نِصْفٍ أَوْ رُبْعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَةِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: مُقَارَضَةً أَوْ: مُعَامَلَةً وَيَقُولُ الْمُضَارِبُ: أَخَذْتُ أَوْ: رَضِيتُ أَوْ: قَبِلْتُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَتِمُّ الرُّكْنُ بَيْنَهُمَا، أَمَّا لَفْظُ الْمُضَارَبَةِ فَصَرِيحٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ السَّيْرُ فِيهَا، سُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ مُضَارَبَةً؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَسِيرُ فِي الْأَرْضِ وَيَسْعَى فِيهَا لِابْتِغَاءِ الْفَضْلِ.
وَكَذَا لَفْظُ الْمُقَارَضَةِ صَرِيحٌ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْمُضَارَبَةَ مُقَارَضَةً كَمَا يُسَمُّونَ الْإِجَارَةَ بَيْعًا، وَلِأَنَّ الْمُقَارَضَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْقَرْضِ، وَهُوَ الْقَطْعُ، سُمِّيَتْ الْمُضَارَبَةُ مُقَارَضَةً لِمَا أَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَقْطَعُ يَدَهُ عَنْ رَأْسَ الْمَالِ وَيَجْعَلُهُ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ، وَالْمُعَامَلَةُ لَفْظٌ يَشْتَمِلُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهَذَا مَعْنَى هَذَا الْعَقْدِ، وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ بِهِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا عَلَى كَذَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَى هَذَا الْعَقْدِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِمَعَانِيهَا لَا لِصُوَرِ الْأَلْفَاظِ، حَتَّى يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ بِلَا خِلَافٍ، وَيَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ عِنْدَنَا وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ لَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ فَابْتَعْ بِهَا مَتَاعًا، فَمَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَلَكَ النِّصْفُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَقَبِلَ هَذَا كَانَ مُضَارَبَةً اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ مُضَارَبَةً.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّهُ ذَكَرَ الشِّرَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيْعَ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُضَارَبَةِ إلَّا بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْفَضْلَ، وَلَا يَحْصُلُ الْفَضْلُ إلَّا بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، فَكَانَ ذِكْرُ الِابْتِيَاعِ ذِكْرًا لِلْبَيْعِ، وَهَذَا مَعْنَى الْمُضَارَبَةِ وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ بِالنِّصْفِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ كَانَ مُضَارَبَةً اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُضَارَبَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْأَخْذَ، وَالْأَخْذُ لَيْسَ عَمَلًا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ فِي الْمَأْخُوذِ وَهُوَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ، فَتَضَمَّنَ ذِكْرُهُ ذِكْرَ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاشْتَرِ بِهِ هَرَوِيًّا بِالنِّصْفِ أَوْ رَقِيقًا بِالنِّصْفِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا، فَاشْتَرَى كَمَا أَمَرَهُ فَهَذَا فَاسِدٌ.
وَلِلْمُشْتَرِي أَجْرٌ مِثْلُ عَمَلِهِ فِيمَا اشْتَرَى، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَى إلَّا بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الشِّرَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيْعَ، وَلَا ذَكَرَ مَا يُوجِبُ ذِكْرَ الْبَيْعِ؛ لِيُحْمَلَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، فَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الشِّرَاءِ بِأَجْرٍ مَجْهُولٍ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ، فَإِذَا اشْتَرَى كَمَا أَمَرَهُ فَالْمُسْتَأْجِرُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَى مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ لَا بِالْبَيْعِ فَكَانَ الْمُشْتَرَى لَهُ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ بَاعَ مِنْهُ شَيْئًا لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ إجَازَةِ رَبِّ الْمَالِ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتْلِفًا مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِنْ أَجَازَ رَبُّ الْمَالِ الْبَيْعَ، وَالْمَتَاعُ قَائِمٌ جَازَ، وَالثَّمَنُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لَحِقَهُ، فَإِذَا أَجَازَ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ قَائِمٌ أَوْ هَالِكٌ فَأَجَازَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ بَقَاءُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَعْلَمَ هَلَاكَهُ، وَإِنَّمَا شَرَطَ قِيَامَ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ صِحَّةَ الْإِجَازَةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَحِلًّا لِإِنْشَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، لَا يَكُونُ مَحِلًّا لِإِجَازَةِ الْعَقْدِ فِيهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ هَلَكَ، فَالْإِجَازَةُ بَاطِلَةٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ لِيَشْتَرِيَ بِهَا وَيَبِيعَ، فَمَا رَبِحَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا فَهَذِهِ مُضَارَبَةٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ الْمَالَ مَا لَمْ يُخَالِفْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ فَقَدْ أَتَى بِمَعْنَى الْمُضَارَبَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَضِيعَةَ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ، فَهَذِهِ مُضَارَبَةٌ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَضِيعَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَتَبْقَى الْمُضَارَبَةُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ: مُضَارَبَةً وَلَا بِضَاعَةً، وَلَا قَرْضًا وَلَا شَرِكَةً.
وَقَالَ: مَا رَبِحَتْ فَهُوَ بَيْنَنَا فَهَذِهِ مُضَارَبَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، فَكَانَ ذِكْرُ الرِّبْحِ ذِكْرًا لِلشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، وَهَذَا مَعْنَى الْمُضَارَبَةِ.
وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفُ الرِّبْحِ، أَوْ ثُلُثُهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَلِلْمُضَارِبِ مَا شَرَطَ، وَمَا بَقِيَ فَلِرَبِّ الْمَالِ، وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ لَا بِالشَّرْطِ، فَلَا يَفْتَقِرُ اسْتِحْقَاقُهُ إلَى الشَّرْطِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا فَسَدَ الشَّرْطُ كَانَ جَمِيعُ الرِّبْحِ لَهُ، وَالْمُضَارِبُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، وَالْعَمَلُ لَا يُتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا، فَنَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا سُمِّيَ لِلْمُضَارِبِ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ الرِّبْحِ، فَقَدْ وَجَدَ فِي حَقِّهِ مَا يَفْتَقِرُ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ الرِّبْحَ فَيَسْتَحِقُّهُ، وَالْبَاقِي يَسْتَحِقُّهُ رَبُّ الْمَالِ بِمَالِهِ، وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لِيَّ نِصْفَ الرِّبْحِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَلَكِنَّهَا جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا، وَيَكُونُ لِلْمُضَارِبِ النِّصْفُ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُضَارِبِ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنَّمَا سَمَّى لِنَفْسِهِ النِّصْفَ فَقَطْ، وَتَسْمِيَتُهُ لِنَفْسِهِ لَغْوٌ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَكَانَ ذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى التَّسْمِيَةِ فِي حَقِّ الْمُضَارَبَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ، فَكَانَ تَسْمِيَةُ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ لِنَفْسِهِ تَسْمِيَةَ الْبَاقِي لِلْمُضَارِبِ، كَأَنَّهُ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لَكَ النِّصْفَ كَمَا فِي مِيرَاثِ الْأَبَوَيْنِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} لَمَّا كَانَ مِيرَاثُ الْمَيِّتِ لِأَبَوَيْهِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ لِلْأُمِّ مِنْهُ الثُّلُثَ كَانَ ذَلِكَ جَعَلَ الْبَاقِي لِلْأَبِ كَذَا هَذَا.
وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ وَلَكَ ثُلُثُهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، فَالثُّلُثُ لِلْمُضَارِبِ وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُضَارِبِ الرِّبْحَ بِالشَّرْطِ، وَاسْتِحْقَاقَ رَبِّ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَاءِ مَالِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْمَشْرُوطَ لِلْمُضَارِبِ بِالشَّرْطِ يُسَلِّمُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ، وَهُوَ الْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَاءِ مَالِهِ.
وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَيْنَنَا جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ (الْبَيْنَ) كَلِمَةُ قِسْمَةٍ، وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ إذَا لَمْ يُبَيَّنْ فِيهَا مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} وَقَدْ فُهِمَ مِنْهَا التَّسَاوِي فِي الشِّرْبِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلِكَمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} هَذَا إذَا شُرِطَ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ فِي عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ لِأَحَدِهِمَا، إمَّا الْمُضَارِبُ وَإِمَّا رَبُّ الْمَالِ، وَسَكَتَ عَنْ الْآخَرِ، فَأَمَّا إذَا شَرَطَ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا، بِأَنْ شَرَطَ فِيهِ الثُّلُثَ لِلْمُضَارِبِ، وَالثُّلُثَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالثُّلُثَ لِثَالِثٍ سِوَاهُمَا، فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ أَجْنَبِيًّا، أَوْ كَانَ ابْنَ الْمُضَارِبِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ جَازَ، وَكَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ الْعَمَلَ لَمْ يَجُزْ، وَمَا شَرَطَ لَهُ يَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يُسْتَحَقُّ فِي الْمُضَارَبَةِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ وَلَا مَالٍ، وَصَارَ الْمَشْرُوطُ لَهُ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ عَبْدَ الْمُضَارِبِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَكَذَلِكَ عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ شَرَطَ عَمَلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَمْلِكُ كَسْبَ عَبْدِهِ، فَكَانَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَمَلَهُ فَمَا شَرَطَهُ فَهُوَ لِرَبِّ الْمَالِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْأَجْنَبِيِّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: الْمَشْرُوطُ لَهُ يَكُونُ لِلْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ كَسْبَهُ عِنْدَهُمَا، كَمَا يَمْلِكُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ عَبْدَ رَبِّ الْمَالِ، فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ شَرَطَ عَمَلَهُ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ إكْسَابَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَمَلَهُ فَمَا شَرَطَ لَهُ فَهُوَ لِرَبِّ الْمَالِ لِمَا قُلْنَا.
وَعِنْدَهُمَا مَا شُرِطَ لَهُ فَهُوَ مَشْرُوطٌ لِمَوْلَاهُ، عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ كَسْبَ عَبْدِهِ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَفِي عَبْدِ الْمُضَارِبِ الثُّلُثَانِ لِلْمُضَارِبِ، وَالثُّلُثُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى، فَكَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ مَشْرُوطًا لِلْمَوْلَى، وَصَارَ كَأَنَّهُ شَرَطَ لِلْمُضَارِبِ الثُّلُثَيْنِ، وَفِي عَبْدِ رَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ لِلْمُضَارِبِ، وَالثُّلُثَانِ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ يَكُونُ مَشْرُوطًا لِمَوْلَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَصَارَ كَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ شَرَطَ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَيْنِ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا: لَوْ شَرَطَ ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْمُضَارِبِ، وَالثُّلُثَ لِقَضَاءِ دَيْنِ الْمُضَارِبِ، وَالثُّلُثَ لِرَبِّ الْمَالِ إنَّ الثُّلُثَيْنِ لِلْمُضَارِبِ، وَالثُّلُثَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْمُضَارِبِ، وَالثُّلُثَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالثُّلُثَ لِقَضَاءِ دَيْنِ رَبِّ الْمَالِ إنَّ الثُّلُثَيْنِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالثُّلُثَ لِلْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ لِقَضَاءِ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَشْرُوطٌ لَهُ.